Thursday, May 29, 2008
علاقة معكوسة

أورد أمين معلوف في كتابه الفلسفي ((الهويات القاتلة)) جملة لم يعلق عليها كثيراً وهو يتحدث بالقول:" إن ما يثير الانتباه ليس إلا كم الدراسات التي ناقشت تأثير الأديان في حياة الشعوب بينما لم تستأثر العلاقة المعكوسة في تأثير الشعوب نفسها على الأديان بذات القدر"

امين معلوف-الهويات القاتلة ص87

كانت البداية وأنا أشعر بالأسى لنتائج الاستطلاع البريطاني الذي أجرته قناة -- سكاي نيوز -- الذي أظهر أن ما يقرب من 20% من المستطلعين في بريطانيا يشعرون اليوم يشعرون أن الأديان في المجمل لها تأثير سلبي على المجتمعات فيما قال 54% إنهم يلمحون تأثيراً إيجابياً في المقابل. وكي لا فارق النسبتين الإيجابي، فإن نفس الاستطلاع يشير إلى تضاعف نسبة يخدعنا الفارق السلبى بالنظرة تجاه الأديان في مقابل تناقص أصحاب النظرة الموجبة بما يقرب من 21% عن آخر استطلاع مباشر لنفس الأسئلة جرى منتصف عام 2005

مع هذا يبقى السؤال الجوهرى؟!

هل الأديان بالفعل، وفي عصرنا الحديث تحديداً، هي ما يشكل شخصية الشعوب ومرتكزات بناء المجتمعات الأخلاقي، أم إن الشعوب نفسها هي صاحبة التأثير؟!!!

(بالطبع هناك فارق بين التأثير والتشكيل) في شخصية الأديان وفي رسالتها الاجتماعية

من الواضح في الأساس أنه وكما أن الأديان تتمايز وتتباين عند المقارنة فيما بينها البين، بين دين وآخر، من حيث نفوذها وقدرتها على صبغ الحياة الاجتماعية في أوساط معتنقيها والمؤمنين بها،

إلا أن الحقيقة الأخرى، أنه وحتى داخل أتباع الدين الواحد تتمايز أيضاً وتتباين المجتمعات داخل إطار ذات الدين من حيث قدرته على النفوذ وعلى صبغ الحياة الاجتماعية في أوساط أتباعه ومعتنقيه والمؤمنين به. وكما أن مثل هذا يبدو فطرياً بدهياً

فإن - المعلل - لن ينكر أن كل الأديان، وعلى رأسها ديننا الإسلامي الحنيف، تؤمن بحتمية التباين والاختلاف و(الشعوب والقبائل)، ولكن كيف استقام هذا التباين على أرض الواقع؟!!!!

بتأثير الشعوب والقبائل والمجتمعات عليه وبوقوفهم على الأماكن التي يريدونها لهم فوق الأديان

فالاديان أصلها رسالة إلهية إلى الخلق بتوصية واحدة محددة ولكن تختلف في التفاصيل

الرسالة الأصل هي تأثير الأديان في الشعوب ولكن التفاصيل هي ردة الفعل من هذه الشعوب في التأثير على الأديان.....

أولى دلالات التفاصيل كعلامات تأثير للمجتمعات في الأديان ليست بأكثر من الطرق و المذاهب فالطرق و المذاهب هي تفسير المجتمعات للأديان بحسب المعادلتين: ماذا تريد هذه المجتمعات من الدين وما هو تفسيرها لنصوصه بحسب التوافق مع الإدارة المطلوبة


هنا بعض النماذج من مقاطع تقاطع التأثير المتبادل بين الأديان والشعوب. معظمنا يعتقد أن الأمة الأمريكية في مهاجريها ومؤسسيها الأوائل انهم هربوا استيطاناً للعالم الجديد بعد اكتشافه من أجل نزعة تحررية من سطوة الكنيسة على الحياة الاجتماعية الدينية في الحضارات الأوروبية الأصل

الصحيح أنه العكس، فأوائل المستوطنين الأوروبيين لمنطقة - نيو إنجلند - ووادي بنسلفانيا من فئة "البيورتانز" او المتطهرين كما يرد فى التراجم هم في الأصل بذرة المحافظين وجذع شجرة التطرف في الحياة الكنسية المسيحية ومثلما قال أبو الرواية الأمريكية، "ناثانيل هوثورن"، في تعليق على روايته الشهيرة (( رومانسية الوادي المرح)) ...."هؤلاء أول تأثير سلبي للمجتمع على فكرة الدين وأول منعطف يجنح بالكنيسة إلى مفرق طرق شاذ متطرف وأول تفسير قضى على التعايش والتسامح لأنهم قاموا على مفهوم رأي في الكنيسة الأوروبية خذلاناً وليونة وخضوعاً لضغط تيارات التحديث في الفلسفة الأوروبية الطارئة"

(هو يتحدث عن أحداث كانت في مقتبل القرنين السادس والسابع عشر). هي ذات النظرة التي يراها المفكر اليهودي، وعالم اللغويات الأشهر، "نوم تشومسكي"، في تفسيره للحركة الصهيونية كواحد من أعظم الناقدين (من الداخل اليهودي) لهذه الحركة. في أدبياته يأتي الخيط المشترك الذي يرى أن الصهيونية هي تأثير الأتباع المخيف على الدين اليهودي، وهي الإضافة الخطيرة إليه التي حولته من دين إلى حركة سياسية ومن هوية عولمية إلى كيان قومي.
وباختصار، فإن النظرة السالبة للأديان، كما في الاستطلاع البريطاني، لم تكن بسبب تأثير الأديان بالقدر الذي هو إضافة الطرائق والمذاهب في التأثير عليها وهو ذات الفارق ما بين الرسالة الأصل للأديان وما بين التفاصيل.
وفي الإسلام، يصعب أن نجد فارقاً جوهرياً له عن مساحة الأديان الأخرى من حيث تأثير - التفاصيل - على الأصل في الرسالة ولا يصعب أيضاً تحديد العلامة الفاصلة في المنعطف ما بين المتلازمين المتأثرين المؤثرين. فبعد أن كان هذا الدين في جلاء الرسالة النقية لوصية النبي المصطفى إلى معاذ بن جبل في ثلاثة أسطر تختصر وحدها كل عظمة وبلاغة الرسالة، صار اليوم أشبه ببحر من التفاصيل التي أبعدت الأتباع عن المنبع الأصل. الإسلام لم يكن صوفية الشاذلية وطقوسها مثلما هو لم يكن معتقد - التشيع - الطارئ بعد مئتي عام من البعثة مثلما هو أيضا أوسع من الضيق الفقهي للسلفية الجديدة ومثلما هو أيضاً لا يمثل في المطلق رؤية القرامطة والخوارج والطالبانيين المتحجرة لانفتاحه السياسي كأول رسالة للعولمة في التاريخ البشري. الإسلام اليوم ضحية الأتباع وضحية التفاصيل والمذاهب والملل مثلما هو ضحية الكم الهائل من الكتب والأدبيات وضحية كل ما بين هذه الكتب والأدبيات من اختلافات وردود.

Labels:

 
posted by 3amr at 3:30 PM ¤ Permalink ¤


0 Comments: